فخر الدين الرازي
69
تفسير الرازي
التابوت ، وتفصل الكفن ، وتغزل العجوز الكفن ، فيقال : هذا كله للديدان ، فأين حظ الرحمن ! بل المرأة إذا كانت حاملاً فإنها تعد للطفل ثياباً ، فإذا قلت لها : لا طفل لك فما هذا الاستعداد ؟ فتقول : أليس يبعثر ما في بطني ؟ فيقول الرب لك : ألا يبعثر ما في بطن الأرض ، فأين الاستعداد ، وقرئ وحصل بالفتح والتخفيف بمعنى ظهر . * ( إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ ) * . ثم قال : * ( إن ربهم بهم يومئذ لخبير ) * اعلم أن فيه سؤالات : الأول : أنه يوهم أن علمه بهم في ذلك اليوم إنما حصل بسبب الخبرة ، وذلك يقتضي سبق الجهل وهو على الله تعالى محال : * ( الجواب ) * من وجهين أحدهما : كأنه تعالى يقول : إن من لم يكن عالماً ، فإنه يصير بسبب الاختبار عالماً ، فمن كان لم يزل عالماً أن يكون خبيراً بأحوالك ! وثانيهما : أن فائدة تخصيص ذلك الوقت في قوله : * ( يومئذ ) * مع كونه عالماً لم يزل أنه وقت الجزاء ، وتقريره لمن الملك كأنه يقول : لا حاكم يروج حكمه ولا عالم تروج فتواه يومئذ إلا هو ، وكم عالم لا يعرف الجواب وقت الواقعة ثم يتذكره بعد ذلك ، فكأنه تعالى يقول : لست كذلك . السؤال الثاني : لم خص أعمال القلوب بالذكر في قوله : * ( وحصل ما في الصدور ) * وأهمل ذكر أعمال الجوارح ؟ الجواب : لأن أعمال الجوارح تابعة لأعمال القلب . فإنه لولا البواعث والإرادات في القلوب لما حصلت أفعال الجوارح ، ولذلك إنه تعالى جعلها الأصل في الذم ، فقال : * ( آثم قلبه ) * والأصل في المدح ، فقال : * ( وجلت قلوبهم ) * . السؤال الثالث : لم قال : * ( وحصل ما في الصدور ) * ولم يقل : وحصل ما في القلوب ؟ الجواب : لأن القلب مطية الروح وهو بالطبع محب لمعرفة الله وخدمته ، إنما المنازع في هذا الباب هو النفس ومجلسها ما يقرب من الصدر ، ولذلك قال : * ( يوسوس في صدور الناس ) * وقال : * ( أفمن شرح الله صدره للإسلام ) * فجعل الصدر موضعاً للإسلام . السؤال الرابع : الضمير في قوله : * ( إن ربهم بهم ) * عائد إلى الإنسان وهو واحد والجواب : الإنسان في معنى الجمع كقوله تعالى : * ( إن الإنسان لفي خسر ) * ثم قال : * ( إلا الذين آمنوا ) * ولولا أنه للجمع وإلا لما صح ذلك . واعلم أنه بقي من مباحث هذه الآية مسألتان : المسألة الأولى : هذه الآية تعدل على كونه تعالى عالماً بالجزئيات الزمانيات ، لأنه تعالى نص على كونه عالماً بكيفية أحوالهم في ذلك اليوم فيكون منكره كافراً . المسألة الثانية : نقل أن الحجاج سبق على لسانه أن بالنصب ، فأسقط اللام من قوله : * ( لخبير ) * حتى لا يكون الكلام لحناً ، وهذا يذكر في تقرير فصاحته ، فزعم بعض المشايخ أن هذا كفر لأنه قصد لتغيير المنزل . ونقل عن أبي السماءل أنه قرأ على هذا الوجه ، والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .